محمد بن زكريا الرازي

134

الحاوي في الطب

لي : ضعف المعدة تقصير الشهوة أو الهضم ، قال : وقرانيطش « 1 » فإنه كان يأمر من شكى إليه أنه لا يستمرىء طعامه وأنه يشتهي أن يستعمل الرياضة أولا ويتناول من الطعام رمقه . . . « 2 » ويقله مقدارا ، فإن لم ينتفع بذلك أخذ في علاج أصحاب التجربة شاء أو أبى . وأما أنا فعلمني القياس ثمانية أصناف تداوى بها المعدة الضعيفة ، وذلك أني سقيت قوما ماء باردا فبرؤوا في يوم لا بل في ساعة ، وخلق كثير منهم بردته له بثلج وأطلقت لهم أكل الأطعمة المبردة على الثلج ، وكذلك أنلتهم فواكه باردة مبردة على الثلج وكشك الشعير المحكم الطبخ مبردا على ثلج ومنعتهم من تناول الأفسنتين وكل شيء يقبض ، وكان غرضي أن أبرد فقط ، وأما قوم آخرون فإني منعتهم من الأشياء القابضة وأسخنتهم بكل وجه من ذلك أني سقيتهم شرابا عتيقا قويا حارا في الغاية وأكثرت الفلفل في طعامهم ، وآخرون جعلت غرضي تجفيف معدهم فأطعمتهم أطعمة يابسة قد مسها النار في شيها وأقللت شربهم وألزمتهم الأشياء القابضة ، ومنذ قريب داويت من صار في حال الذبول ، وذلك أنه كان به سوء مزاج يابس منذ أول الأمر فأخطأ عليه الأطباء فسقوه أفسنتينا وأطعموه أطعمة مرة قابضة فصار بهذه المداواة في حد من به دق فقصدت لترطيبه ، قال : أقول : إن الاستحالة إلى الحرارة أو البرودة أسهل مداواة وأسرع برءا لأن إصلاح كل واحد منهما يكون بكيفية فاعلة قوية ، والاستحالة إلى الرطوبة واليبس أعسر مداواة وأنكر برءا ، لأن مداواتها تكون بكيفيات ضعيفة منفعلة ، ولا سيما حين يحتاج إلى الترطيب وسوء المزاج الحار سواء ، وسوء المزاج البارد والزمان الذي يحتاج إلى إصلاحها فيه سواء بل الثقة في العاقبة ليست فيها سواء ، وذلك أنه لم يكن جميع ما حول العضو الذي يبرد مزاجه حين يداوى من الحرارة قويا لم يؤمن عليه أن تناله من الأشياء الباردة مضرة عظيمة . قال أبو بكر : هذا علاج عام للمعدة والكبد ونحوهما ، فأما سوء المزاج اليابس والرطب فهما في أمر العاقبة سواء ، وأما في طول المدة فإن مدة إصلاح المزاج اليابس أضعاف مدة إصلاح سوء المزاج الرطب . في ابتداء النهوك وعلة اليبس : إن منزلة سوء المزاج اليابس منزلة الشيخوخة فلذلك هو غير قابل للعلاج وممتنع البرء إذا استحكم ، وغاية استحكامه أن يكون جوهر الأعضاء الصلبة قد يبست دون هذا اليبس . ولليبس مراتب : إحداها وهي المرتبة الأولى أن يكون إنما يبست الأعضاء التي من جوهر رطب التي أخذت في الانعقاد والجمود بمنزلة الشحم واللحم إذا ذابا وانحلا ، والمرتبة الثانية أن تكون الرطوبة التي منها تغتذي الأعضاء قد قلت فيبس البدن ، وهذه الرطوبة موجودة في الأعضاء كلها مبثوثة فيها بمنزلة الرذاذ ، وهذه الرطوبة لن يمكن أن

--> ( 1 ) في نسخة : قوانيطش - بالقاف والواو ، وقرانيطس - آخره سين مهملة - كما في بحر الجواهر : لفظ يوناني معناه الهذيان قال الشيخ هو ورم حار في حجاب الدماغ الرقيق والغليظ دون جرمه . ( 2 ) موضع النقاط ممحو في الأصل .